CSC

لافتة إعلانية
البحث
جاري التحميل

المتواجدين حاليا
يوجد حالياً 3 زائر متصل

غزة .. شموخٌ وعزة

أ. صالح سالم بن حليس- خطيب جامع الرضا / عدن


أيها الفضلاء النبلاء:

لقد تعلمنا خلال ثلاثة أسابيع من محرقة غزة ما لم نتعلمه خلال سنين، فتعلمنا أن أقوى حامٍ في الملمات والبلايا بعد الله تعالى هو الإيمان بالله والتوكل عليه وعبادته كما أمر والتربية الجادة على الخير والصلاح والاستقامة والفداء، فها هم إخواننا المجاهدون يضربون لنا أعظم صور الشجاعة والبسالة والجهاد،"إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ " [غافر: 51].

ولقد تعلمنا كذلك خلال أثنين وعشرين يوماً أن الذلة والمهانة والخزي والضعف والصغار إنما يستحقها من ارتضاها واستجلبها من تلقاء نفسه وصنعها بيديه، وأن العزة والقوة والصمود والعلو والسمو يُنتَج محليًا ولا يستورد من الأعداء، بل يستمد من داخل النفس، ولا يهين الله إلا من أهان نفسه، ولا يعز إلا من أعز نفسه،"وَمَنْ يُهِنْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ " [الحج: 18].

وشاهدنا لهذا العزة التي يعيشها إخواننا الأباة في تلك الديار المباركة في وقت ذلت فيه رقاب الكبار.

إخوة الإسلام:

إن القضية الفلسطينية هي قضية المسلمين في كل مكان، ومع ذلك فقد حماها الله لنا بقوم اختارهم لهذه المهمة العظيمة، وهم شعب فلسطين المجاهد البطل الذي لا يزال يدفع ثمن الذود عن حياض الأمة وحماها.

شعب مكافح مجاهد يحبّ الموت كما يحبّ غيره الحياة، شعب رضع لبان العزة والكرامة عندما رضع غيرهم لبان الرخاء والترف، شعب تربى على القرآن في المساجد وعلى موائد السنة فتخرجت من تلك المحاضن أجيال مؤمنة بالله تعالى متبعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم منتهجة بنهج السلف الصالح، شعب صابر مرابط على ثغر الأمة المفتوح أمام عدونا الأكبر، شعب ثابت على مبادئه الإسلامية في حين تنازل الكثير عن مبادئه واتجه نحو تحقيق شهواته على حساب المبادئ الكبرى التي خلق من أجلها، شعب يحب بلاده حبًا جعله يستلذ العذاب في سبيل الدفاع عن بلاده ومقدساته.

سأحمـل روحـي علـى راحـتي وألقـي بِهـا في مهاوي الردى فإمّـا حيـاة تسـرّ الصـديـق وإمّـا ممـاتٌ يغيـظ العـدى ونفـسُ الشريـف لهـا غايتـان ورود الْمنـايـا ونيـلُ المـنى وما العيشُ؟ لا عشـتُ إن لم أكن مخوف الجنـاب حرام الْحمـى تعلمنا في الأسابيع الماضية أننا "كلنا اليوم فلسطينيون نتوق إلى الاستشهاد في سبيل الله وفي سبيل فلسطين غير مبالين لأي تبعات، وفي خطى من استشهد من أطفال ونساء وشيوخ في غزة".

 

أيها الإخوة :

توقف إطلاق النار ، لكن الحرب ما زالت معلنة على قطاع غزة الصامد ، ولأن الهجمة المجنونة لسلاح الجو وسلاح البحر وسلاح البر وكل أنواع الأسلحة المحرمة دولياً لم تحقق أهدافها ، فإن الحرب مازالت معلنة من اليهود الغاصبين ، ومن حلفاء يهود من النصارى والعرب الخائنين .

توقف إطلاق النار منذ أيام فتكشفت الحقائق ، وظهرت النتائج على الأرض ، فهل رأيتم البيوت وقد هُدِمت على رؤوس الأطفال والنساء؟!

هل رأيتم مشاهد الموت الذي ينتشر في كل مكان؟!

هل سمعتم بالأطفال الذين وجدوا بجانب ذويهم المقتولين منذ أربعة أيام وهم ينظرون إليهم؟!

ألم يمر على مخيلاتكم صور أطراف مقطعة وأشلاء ممزقة؟! وهل سمعتم بالمدرسة التي قصفت وفيها الهاربون من الموت فمات منهم خمسةٌ وأربعون غير الجرحى؟!

وهل مر على أسماعكم خبر خمسين شهيدًا لم يستطع أحد الوصول إليهم إلا بعد أيام من قتلهم؟!

وهل رأيتم المساجد دُمِرت على رؤوس المصلين ، فغاصت بالدماء والأشلاء : دمُ المصليـنَ في المحـرابِ ينهمـرُ والمستغيثـونَ لا رجـعٌ ولا أثرُ والقدسُ في قيدِها حسناءُ قد سُلبتْ عيـونها فِي عذابِ الصمتِ تنتظرُ أيـنَ المنادونَ بالتحريرِ ويحهموا؟!

أينَ الصمودُ وأينَ السهلُ والوعرُ؟

أيـنَ المرابـونَ في أسـواقِ أمتِنا في كـلِّ صقعٍ لهم للخزِي مؤتمرُ؟ سيـوفُهم في سبيـلِ الحقِ مغمدةٌ وفي سبيـلِ الخنـا يا ويْحهم حمرُ سلـوا الْملايينَ مـن أبنـاءِ أمتِنا كم ذُبِحوا وبأيدي خائنٍ نُحـروا

 

أيها الإخوة المؤمنون:

إن فلسطين ستبقى في مخيلتنا لا تغادرها أبدًا، فهي أولى القبلتين وثالث المسجدين وفتح الفاروق وصلاح الدين، وعدنا الرسول أن نهزم اليهود بها، وأن ننصر حتى بالحجر والشجر، وهي علامة من علامات تمسك المسلمين بإسلامهم، ودليل محبة المؤمنين لدينهم، وواسطة العقد على صدر أمة المؤمنين، إنها فلسطين، نكبة النكبات في زمن التخاذلات، فلسطين التي يدمى جرحها كل يوم، فماذا فعلنا لها؟! وماذا قدمنا من تضحيات؟! وماذا فعلنا وحققنا بالتنازلات؟! حتى عواطفنا تجاه إخواننا هناك ما تلبث أن تنكمش كنار سعفةٍ شبّت ثم انطفأت، ستون سنة من تاريخ صراعنا مع اليهود في فلسطين، ستون سنة وفلسطين ومقدساتها تحت نيران احتلال الصهاينة اليهود، ستون سنة وأمتنا من نكبة إلى نكسة ومن تشرذم إلى خلافات، ستون سنة وأمتنا الإسلامية تُنهش من أطرافها وأوساطها، ويستغيث بنا المسلمون ولا مجيب.

لقد أكدت الأحداث أنه لا أحد يملك سلطة القرار الفلسطيني سوى الجماهير الفلسطينية،سوى المقاومة الفلسطينية ، ولن يوقف هذه الجرائم إلا الجهاد.

لقد كانت تلك الحرب هي أول حربٍ حقيقية بين المسلمين واليهود ، وقد كانت كما سماها المجاهدون الأبطال " معركة الفرقان " وكانت كذلك ، فرقاناً بين الحق والباطل ، فرقاناً بين عهدين : عهد الصبر والمصابرة ، والتجويع والحصار والانتظار ، وعهد القوة والحركة والمبادأة والاندفاع ، فرقاناً بين تصورين لعوامل النصر وعوامل الهزيمة .. بل فرقاناً بين دول الممانعة والمقاومة ، ودول الاعتدال والاستسلام .

فقد كشفت هذه الحرب بكل وضوح الخيانات ، والعمالات ، واستبان لنا سبيلُ المجرمين .

 

أيها الإخوة :

لقد بحت أصوات الدعاة من عشرات السنين وهي تنادي بضرورة الاستيقاظ للخطر الصهيوني الماحق، وضرورة الدفاع عن الأمة وعن الوطن الإسلامي المقدس، وعن القبلة الأولى وعن المسجد الثالث بيت المقدس الذي تشد إليه الرحال، وعن جزيرة العرب وعن الأقطار العربية، لكن الإجابة كانت محزنة فقلوب البعض من المسلمين خاوية تكره التضحية أما الدعاوي وحب النصر فهو مجرد أماني وأحلام، فكل واحد يعتقد أن غيره هو المسؤول، وأن غيره هو المقصر وأن غيره هو المفرط، وأن غيره هو القاعد، فكانت النتيجة أن شراذم اليهود إخوان القردة والخنازير الذين كتب الله عليهم الذل والضياع إلى يوم القيامة استأسدوا في غيبة أهل الحق، وأصبح لهم كيان بعد ما كان زعماً وباطلاً، ووقف المسلمون اليوم جميعاً في موقف حرج، كما قال طارق ابن زياد رحمه الله عز وجل لجنوده (البحر خلفكم والعدو أمامكن وليس لكم إلا الصبر والنصر).

وكما قال الشاعر المسلم:

وقف الزمان بكم كموقف طارق البحر خـلف والعـدو أمام الجو والإقـدام فيه إذا همــا قتلا فأقـتل منهما الإحجام إن اليهود والصهيونية العالمية حاولوا بكل وسيلة أن يُحَال بين المسلمين وبين الدفاع عن قضية فلسطين ، لأن قضية فلسطين هي قضية الإسلام، وكارثة فلسطين هي بلا شك كارثة الإسلام الكبرى وجرح الإسلام العظيم، ومحنة المسلمين في هذا الزمن هذه المحنة أتت على جميع المسلمين في أعقاب غارات وحشية للصليبية الأولى ثم كانت غارة التتار، ثم كانت غارة الصليبية الثانية، وأخيراً جاءت هذه الغارة اليهودية على المسلمين.

تتميماً لسلسلة الكيد والمكر والإجرام، ومحاولة محو الأمة، وهذه الغارة الأخيرة هي أخطر الغارات جميعاً، والصهيونية أخفت أن حرب فلسطين حرب إسلامية، فمرة يقال مشكلة الشرق الأوسط، أزمة الشرق الأوسط، أما وجههاً الإسلامي الحقيقي فقد اختفى للأسف الشديد.

 

وتعلمنا أيها الإخوة :

إن مقدسات المسلمين وديارهم لا يعيدها إلا جهاد صادق في سبيل الله، وإلا فلا نصر ولا كرامة ولا عزة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم)) رواه أحمد وأبو داود، قال الله تعالى:" أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَـٰتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ٱلَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَـٰرِهِم بِغَيْرِ حَقّ إِلاَّ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ "[الحج: 39، 40]، وقال سبحانه:" إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوٰلَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ ٱلّجَنَّةَ يُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقّا فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنجِيلِ وَٱلْقُرْءانِ." وإن النبي صلى الله عليه وسلم امتدح المجاهدين هنالك بقوله : ((لا تزال طائفة من أمتي على الدين ظاهرين لعدوهم قاهرين لا يضرهم من خالفهم إلا ما أصابهم من لأواء حتى يأتيهم أمر الله وهم كذلك))، قيل: يا رسول الله، وأين هم؟ قال: ((ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس)) رواه أحمد.

والفوز كل الفوز للمؤمنين الصادقين بوعدٍ من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود, فيقتلهم المسلمون, حتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشجر, فيقول الحجر أو الشجر: يا مسلم, يا عبد الله, هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله, إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود)).

التقى رجل من المسلمين بصهيوني وسأله ألم تقرأ الحديث الذي يقول فيه صلى الله عليه وسلم "لتقاتلن اليهود فتقتلونهم حتى يختبئ اليهودي وراء الشجر والحجر، فيقول الشجر والحجر يا عبدالله يا مسلم هذا يهودي ورائي تعالى فاقتله إلا شجر الغرقد) فقال الصهيوني: نعم نحن نحفظه وهو موجود عندنا في التوراة، فقال له المسلم إذاً لماذا هذه الحروب وهذه المشاكل إذا كانت النتيجة الهزيمة، قال له: قد عملنا حسابنا ألا ننهزم ، لتفرقكم أنتم وجعلكم شعوباً وأمماً تتقاتل وتتضارب وتتفرق وتتشاحن على أي شيء، لن تهزمونا إلا إذا كنتم أمة واحدة ونحن لن نجعلكم أمة واحدة أبداً.

والواقع المحسوس الآن يشهد بذلك فقد بعدت الشقة بين بلاد المسلمين حتى أصبحوا لا يلتقون ولا يجتمعون، وإذا التقوا اختلفوا، وإذا اتخذوا قراراً لن ينفذ هذا القرار، وقد رأينا ذلك في قمة العرب بالكويت، فماذا فعلت القمة وماذا قدمت القمة؟ لا شيء، حتى قال القائل: "وتفرقوا شيعا فكل قبيلة فيها أمير المؤمنين ومنبر).

والله عز وجل قال لنا: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ ال عمران: 103.

نسينا الأمر وهو فرض، ووجوب الاعتصام بحبل الله لازم فوقعنا فيما وقعنا فيه، قال الله جل جلاله لنا: ﴿وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيم﴾ آل عمران: 105.

الثانية : ألف تحية لرجال المقاومة الإسلامية ، هنيئاً لكم أن وقفتم تدافعون عن الأمة كلها، عن فلسطين وعن بيت المقدس وعن مكة وعن المدينة، لقد شرفتم بجهادكم الإنسانية وأثبتم أن هناك من يستطيع أن يقول لا لأعتى قوة على ظهر الأرض وأن يتحمل المسئولية كاملة بين يدي الله وأن يدفع الثمن غالياً، ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيل﴾ آل عمران: 173.

أثبتوا واصبروا وصابرو، فإن الصهاينة لا يخافون من أحد على ظهر الأرض سواكم وإلا ما بنوا الجدار لكي يتخفوا وراءه.

لكن الصواريخ التي تصدر منكم تصل إليهم، هم والله في رعب والمعركة ستنتهي إن شاء الله إلى خير ما يحب ربنا ويرضى بصبركم واحتسابكم،، وحذار أن نفهم أن هذه الدماء تذهب سدى لا لا إن الله عز وجل يجعل دماء الشهداء تنزلق فيها أقدام الظالمين فتهوى بهم إلى القاع، إن الذين قتلوا الشهيد حبيب النجار لأنه قال ربي الله كانوا عشرة آلاف أخذهم الله جميعاً فيه، ﴿إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ * يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون﴾ يس: 29-30.

لقد سطَّرتِ يا غزة صحائف من ضياء، ولكنك يا غزة، بالرغم من الماسي المروِّعة، والكوارث المفجِعة، والجراح النازفة فقد سطرتِ صحائف من ضياء أغاظت المنافقين، وأتعبت المتآمرين، وأربكت المخذِّلين.

- مَن كان يظن يا غزة أن تستمري على هذا الصمود والتحدي ؟ - مَن كان يظن يا غزة أن تَظَلَّ لغة الإباء والعزة هي سَمْتُكِ ؟

- مَن كان يظن يا غزة أن تُحْدثي بأعداء الله هذا النكال الذي لم يتوقعه أحد؟

- مَن كان يظن يا غزة أن طائرات الأعداء بأنواعها ومركباتهم بأصنافها وزوارقهم بتشكيلاتها لا تُسْكِت صواريخك المزلزلة حتى اليوم؟

- مَن كان يظن يا غزة أن الموت البطيء الذي تتعرضين له بفعل الحصار، والموت السريع بفعل النار لا يجعلك تستسلمي حتى اليوم؟

- مَن كان يظن يا غزة أن...... مَن كان يظن يا غزة أن........ مواقف كثيرة وبطولات نادرة سيُسَجِّلها التاريخ في أنصع صفحاته.

إن المتآمرين عليك يا غزة- وما أكثرهم وأحقرهم في ذات الوقت- أعطوا الضوء الأخضر لعدو الله والمؤمنين بتوجيه ضربتهم لكِ لعلهم يستريحون منكِ في عشية أو ضُحاها، في ساعة من ليل أو نهار، ولكن خاب قصدهم وارتدوا على أعقابهم، ففاجأتِ الجميعَ يا غزة بصمودك وثباتك فوقفوا ﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ (المنافقون: من الآية 4)، ﴿تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنْ الْمَوْتِ﴾ (الأحزاب: من الآية 19).

ألا ما أقبحهم وأقبح فعالهم! ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمْ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمْ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ (المنافقون: من الآية 4).

- كفاكِ فخرًا يا غزة ما حققتِيه من بطولات وأمجاد، وإباء وشموخ حتى اليوم أيًّا كانت نتيجة الحرب والقتال.

- كفاكِ فخرًا يا غزة أنكِ أحييت الأمل في نفوس اليائسين، وأن هذه الأمة قادرة على النصر على عدوها وتحقيق منهج الله في الأرض متى وجد الرجال أمثالكم.

- كفاكِ فخرًا يا غزة أنكِ وجَّهتِ الأمة من أقصاها إلى أقصاها كيف تكون الرجولة، وكيف تُبنى الكرامة.

- كفاكِ فخرًا يا غزة أنكِ علمت الأمة أن من اعتصم بحبل الله هداه، ومن توكل على الله كفاه، وأن من اعتزَّ بإيمانه علا، وكيف لا يكون ذلك كذلك وقد قال ربنا سبحانه: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139)﴾ (آل عمران)، وقال ﴿َلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ (35)﴾ (محمد).

- كفاكِ فخرًا يا غزة أنكِ أيقظتِ النائمين، ونبَّهتِ الغافلين، وأرشدتِ التائهين فعرفوا العدو من الصديق، والصادق من الكاذب والأمين من الخائن، ودعاة الإصلاح من دعاة الإفساد، ومن يحمل روحه على كفه فداءً لعِزِّ أمته وكرامتها ومن يبيعها بثمن بخس.

كفاكِ فخرًا يا غزة أن أطفالكِ قبل رجالكِ انطلقوا يصرخون فينا:

يا بني الإسلام، إنا قد فتحنا *** بالبطولات لكم بابَ الإباءِ وانتفضنا حين أبديتم خضوعًا *** وتدثَّرْتُم بثـوب الجبـُناءِ أنا لا أدعو إلى إشعال حربٍ *** إنما أدعـو إلى دَفْع البَلاءِ لا تقولوا: أنتَ طفلٌ، رُبَّ طفلٍ *** صار بالإيمانِ رَمْزَ الأقوياءِ - كفاكِ فخرًا يا غزة أنك في محرقة الأخدود الثانية في صبركم وثباتكم وحبكم للشهادة، صرتم قدوة عظيمة للأمة وأحييتم قِيَمًا طالما سعى الأعداء لإخمادها.

فحتى لو أصبح مصير أهل غزة كمصير أهل الأخدود فيكفيهم نصرًا أن أحيوا أمتهم بدمائهم، وهذا هو الخطر العظيم على الأعداء والذي ما يدفعهم لسرعة إيقاف المعارك دوليًّا لا رحمة بأهل غزة. ما أعظمه من فوز، وما أكرمه من نصر.. وفى النهاية يا أهل غزة تذكروا قولَ الله تبارك وتعالى: ﴿وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنْ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (104)﴾ (النساء)

استطلاع
ما رأيك بفكرة مهرجان الرواد الأول؟